دمووع السحاب
06-10-2010, 08:00 AM
ليس المطلوب ماذا نكون بقَدْرِ ماذا نكون في نظر أولادنا، أراد أب أن يتعرف على صورته الحقيقية أمام أولاده فطلب منهم الوضوح والصدق وإسعافه بكل العيوب والصفات السلبية التي يرونها فيه، وقال في نفسه: لا بُدَّ من أن أُدَرِّبَ أولادي على أساليب الانتقاد ومنهجه وبالتالي فلا يُحْرَجون عندما يجدون أنفسهم عُرْضَةً للانتقاد، لذلك حَثَّهُم على نَقْدِه بِحَزْمٍ وقال لهم: كُلٌّ مِنَّا مرآةٌ للآخَرِ.
لقد تردَّدَ الأولادُ في خَلْعِ ملابسِ والدِهم وإظهار صورتِه الحقيقية وإزالة الملابس التي تستر عيوبه، ولكن تحت الإلحاح الشديد تجاسرت ابنته فاطمة وقالت له: أنت يا والدي تطالبنا جزاك الله خيرًا بالحوار الهادئ المتزن عندما نتناقش مع الناس، وأنت لم تؤهلنا لذلك بالتدريب فتسمح لنا أن نتدرب معك في هذا اللون المطلوب. قال لها مستغربًا: كيف أكون كذلك؟! أنت أخذت تتطاولين عليَّ يا فاطمة، وأنا أقول بأنك أفضل أخواتك! قالت له: آسفة؛ لقد أجبرتنا على التحدث بصراحة وأنت الآن تسحب رغبتك بتصرفك، قال: وما هو تصرفي؟ قالت: غضبك وعدم رغبتك بقول الصراحة، ربما تريد الصراحة التي تنشد من خلالها المدح بما يشبه الذم، وأنت تعرف منزلتك الكبيرة في نفوسنا مهما كنت، فكل فتاة بأبيها معجبة، ولكن كيف تريد منّا أن نحسن صنعة لم نتدرب عليها أصلاً! ثم سكتت.
حثّها والدها على مواصلة حديثها قائلاً لها: ثم ماذا يا فاطمة، قالت له: إذا أردت توجيهنا إلى جانب الخير تفرضه علينا ولا تحببه لنا فنقوم به إرضاء لك، وليس لقناعتنا كأننا نأكل الطعام من أجلك وليس من أجل أجسامنا. قال لها: ماذا عندك أيضًا يا فاطمة؟ قالها مستغربًا هذه الصراحة المتناهية التي لم يعهدها من قبل، ولم يكن يتوقع أن فيه كل هذه العيوب.
قالت: إذا تَحَدَّثَ مَعَكَ الصِّغَارُ لا تَهْتَمَّ بما يقولون، ولا تصغي لهم جيدًا، وهم بذلك يحسنون كأنك تنفر من أحاديثهم ولا تحبهم. قال لها: هل عندك شيء آخر؟! وكأنه شبع من كلامها، قالت: هناك أمور صغيرة لا أحب ذِكْرَها، وسأترك الحديث للبقية، ولكنك يا أبي مع كل ذلك تَحْمِلُ بين جوانِبِكَ قلبًا كبيرًا.
التفت إلى أحد أبنائه سليمان وقال له: ماذا تقول في حديث أختك فاطمة؟ قال سليمان مجيبًا: يا والدي، ما عندها سالفة تعتقد أن كل بنت تدخل الجامعة لا تحس بدخولها الجامعة حتى تبدأ تعارض أهلها، أختي ليس عندها وفاء ولا تعرف التأدب مع الكبار.
قاطعه والده بسعادة قائلاً له: ولكن هل ترى عيوبًا بي، أو ملاحظات؟ قال: لا يا والدي، فقط عندي لك دعاء بطول العمر ولا يوجد لك مثيل، الله يخليك لنا ذخرًا.
نظر إليه أخوه الكبير علي وأخذ يتمتم بينه وبين نفسه: "ثعلب ما ينخاف عليك حتى أبوك تلعب عليه، أكيد هذا تمهيد لتحقيق مطالبك". قال له والده: ماذا تقول أنت يا علي؟ قال علي: في ماذا: قال أبوه: ماذا تقول في كلام أختك؟ قال: أخشى أن أقول بأنها على غير حق وأكذب وأنت ربيتنا على عدم الكذب، وأخشى أن أقول بأنها على صواب فأغضبك، وأنا لا أحب أن أغضبك، قال هل عندك ملاحظات مثلها؟ قال: نعم، أنت يا والدي تحبب فينا استخدام الآداب والكلمات الجميلة، ولم نسمعها منك إلا قليلاً، خذ مثالاً على ذلك، إذا دخلت علينا لم تبادر بالسلام علينا ونحن جلوس، في حين تطالبنا بذلك، ولم نسمعك يومًا تحسن الاعتذار أو تتأسف لخطأ، أو تتنازل عن حق، أنت تطالبنا بأمور لم تزرعها فينا..
قال الأب: لماذا لم أزرعها فيكم، وأنا كل يوم أوعيكم وأنصحكم؟ قال: ما قصَّرْتَ يا والدي، لقد أصبحنا قادرين على توعية غيرنا ونصحهم، ولم نستطع أن نمارس السلوك الجيد ذاته، لأنك لم تمارسه معنا. قال: كيف ذلك؟ قال: إذا أردت منا سلوكًا حسنًا قم بالتعامل به معنا أولاً لكي ينتقل لنا بدون تكلف ولا جهد. قال: ثم ماذا؟ قال: سلامتك. أدار وجهه إلى هيفاء وقال: هل عندك مشاركة يا هيفاء؟ قالت: لقد فاض الإناء؛ أخشى أن نخسرك يا أبي عندما نقول لك ما في نفوسنا دفعة واحدة، ولكننا لا نريد أن نخدعك لأن طباعنا التي ربيتنا عليها تأبى أن نضعك في مكان عدونا فندفعك للشر من أبواب الثناء. قال: بدون فلسفة ثقيلة يا هيفاء، أعطيني ما عندك، من يحبني فلا يبخل عليَّ بملاحظاته، فطالما أنا قدوتكم فلا بد أن أسمع منك؛ فأنتم فلذات كبدي وأنتم دمي ومرآتي.
قالت هيفاء: طالما نحن كذلك فأنت بخيل جدًا. قال: كما تعرفون؛ كل راتبي أصرفه عليكم، فهل تريدون أن أسرق لكم حتى ترضوا عني. قالت: يا والدي أردت أن أقول شيئًا آخر ولكنك تعجلت الحكم على نفسك فلم أقصد ذلك؛ وإنما أعني أنك بخيل علينا بالابتسامة التي تسعدنا بها؛ لأننا نحس عندما تبتسم بأنك سعيد معنا، وأننا لم نكن عبئًا ثقيلاً عليك، وأنك ترفرف بالسعادة عندما ترانا وأن الحياة التي نعيشها في ظلك تعبر عنها بالابتسامة، ثم أيضًا لنا قدوة فيك؛ ابتسم لنبتسم معك، ونكون عائلة مبتسمة، أليس لنا الحق أن نأخذ بنصيحة علماء النفس: ابتسم لتبتسم لك الحياة. قال لها: كم أتمنى أن أكون كذلك؛ ولكنها مسؤوليات الحياة ومتطلباتها التي تذيب الابتسامة، وتقتلها في بعض الأوقات قبل خروجها.
ثم أردف قائلاً: أنتم على حقٍّ في كثير مما ذكرتم، ولن أدافع عن نفسي كثيرًا، حتى أكون قادرًا على تعديل الغصون الخشبية ليسهل تليين الغصون الأخرى، ومن اليوم فقد استيقظت على واقعي الصحيح بفضلكم؛ فأنتم عيوني التي أرى بها وقلبي النابض، ساعدوني على تلافي جميع السلبيات حتى أكون القدوة التي تفتخرون بها، وجهوني عندما أوشك الوقوع بالخطأ وساعدوني على سلوك الطريق الصحيح. ثم ابتسم وقال: أرجو أن تعجب ابتسامتي هيفاء؛ بل تعجبكم جميعًا. وكأنه بهذا الدرس الصغير والاعتراف الكبير هيأ الجميع للاستماع له مستقبلاً، والقبول بملاحظاته وتوجيهاته.
لقد تردَّدَ الأولادُ في خَلْعِ ملابسِ والدِهم وإظهار صورتِه الحقيقية وإزالة الملابس التي تستر عيوبه، ولكن تحت الإلحاح الشديد تجاسرت ابنته فاطمة وقالت له: أنت يا والدي تطالبنا جزاك الله خيرًا بالحوار الهادئ المتزن عندما نتناقش مع الناس، وأنت لم تؤهلنا لذلك بالتدريب فتسمح لنا أن نتدرب معك في هذا اللون المطلوب. قال لها مستغربًا: كيف أكون كذلك؟! أنت أخذت تتطاولين عليَّ يا فاطمة، وأنا أقول بأنك أفضل أخواتك! قالت له: آسفة؛ لقد أجبرتنا على التحدث بصراحة وأنت الآن تسحب رغبتك بتصرفك، قال: وما هو تصرفي؟ قالت: غضبك وعدم رغبتك بقول الصراحة، ربما تريد الصراحة التي تنشد من خلالها المدح بما يشبه الذم، وأنت تعرف منزلتك الكبيرة في نفوسنا مهما كنت، فكل فتاة بأبيها معجبة، ولكن كيف تريد منّا أن نحسن صنعة لم نتدرب عليها أصلاً! ثم سكتت.
حثّها والدها على مواصلة حديثها قائلاً لها: ثم ماذا يا فاطمة، قالت له: إذا أردت توجيهنا إلى جانب الخير تفرضه علينا ولا تحببه لنا فنقوم به إرضاء لك، وليس لقناعتنا كأننا نأكل الطعام من أجلك وليس من أجل أجسامنا. قال لها: ماذا عندك أيضًا يا فاطمة؟ قالها مستغربًا هذه الصراحة المتناهية التي لم يعهدها من قبل، ولم يكن يتوقع أن فيه كل هذه العيوب.
قالت: إذا تَحَدَّثَ مَعَكَ الصِّغَارُ لا تَهْتَمَّ بما يقولون، ولا تصغي لهم جيدًا، وهم بذلك يحسنون كأنك تنفر من أحاديثهم ولا تحبهم. قال لها: هل عندك شيء آخر؟! وكأنه شبع من كلامها، قالت: هناك أمور صغيرة لا أحب ذِكْرَها، وسأترك الحديث للبقية، ولكنك يا أبي مع كل ذلك تَحْمِلُ بين جوانِبِكَ قلبًا كبيرًا.
التفت إلى أحد أبنائه سليمان وقال له: ماذا تقول في حديث أختك فاطمة؟ قال سليمان مجيبًا: يا والدي، ما عندها سالفة تعتقد أن كل بنت تدخل الجامعة لا تحس بدخولها الجامعة حتى تبدأ تعارض أهلها، أختي ليس عندها وفاء ولا تعرف التأدب مع الكبار.
قاطعه والده بسعادة قائلاً له: ولكن هل ترى عيوبًا بي، أو ملاحظات؟ قال: لا يا والدي، فقط عندي لك دعاء بطول العمر ولا يوجد لك مثيل، الله يخليك لنا ذخرًا.
نظر إليه أخوه الكبير علي وأخذ يتمتم بينه وبين نفسه: "ثعلب ما ينخاف عليك حتى أبوك تلعب عليه، أكيد هذا تمهيد لتحقيق مطالبك". قال له والده: ماذا تقول أنت يا علي؟ قال علي: في ماذا: قال أبوه: ماذا تقول في كلام أختك؟ قال: أخشى أن أقول بأنها على غير حق وأكذب وأنت ربيتنا على عدم الكذب، وأخشى أن أقول بأنها على صواب فأغضبك، وأنا لا أحب أن أغضبك، قال هل عندك ملاحظات مثلها؟ قال: نعم، أنت يا والدي تحبب فينا استخدام الآداب والكلمات الجميلة، ولم نسمعها منك إلا قليلاً، خذ مثالاً على ذلك، إذا دخلت علينا لم تبادر بالسلام علينا ونحن جلوس، في حين تطالبنا بذلك، ولم نسمعك يومًا تحسن الاعتذار أو تتأسف لخطأ، أو تتنازل عن حق، أنت تطالبنا بأمور لم تزرعها فينا..
قال الأب: لماذا لم أزرعها فيكم، وأنا كل يوم أوعيكم وأنصحكم؟ قال: ما قصَّرْتَ يا والدي، لقد أصبحنا قادرين على توعية غيرنا ونصحهم، ولم نستطع أن نمارس السلوك الجيد ذاته، لأنك لم تمارسه معنا. قال: كيف ذلك؟ قال: إذا أردت منا سلوكًا حسنًا قم بالتعامل به معنا أولاً لكي ينتقل لنا بدون تكلف ولا جهد. قال: ثم ماذا؟ قال: سلامتك. أدار وجهه إلى هيفاء وقال: هل عندك مشاركة يا هيفاء؟ قالت: لقد فاض الإناء؛ أخشى أن نخسرك يا أبي عندما نقول لك ما في نفوسنا دفعة واحدة، ولكننا لا نريد أن نخدعك لأن طباعنا التي ربيتنا عليها تأبى أن نضعك في مكان عدونا فندفعك للشر من أبواب الثناء. قال: بدون فلسفة ثقيلة يا هيفاء، أعطيني ما عندك، من يحبني فلا يبخل عليَّ بملاحظاته، فطالما أنا قدوتكم فلا بد أن أسمع منك؛ فأنتم فلذات كبدي وأنتم دمي ومرآتي.
قالت هيفاء: طالما نحن كذلك فأنت بخيل جدًا. قال: كما تعرفون؛ كل راتبي أصرفه عليكم، فهل تريدون أن أسرق لكم حتى ترضوا عني. قالت: يا والدي أردت أن أقول شيئًا آخر ولكنك تعجلت الحكم على نفسك فلم أقصد ذلك؛ وإنما أعني أنك بخيل علينا بالابتسامة التي تسعدنا بها؛ لأننا نحس عندما تبتسم بأنك سعيد معنا، وأننا لم نكن عبئًا ثقيلاً عليك، وأنك ترفرف بالسعادة عندما ترانا وأن الحياة التي نعيشها في ظلك تعبر عنها بالابتسامة، ثم أيضًا لنا قدوة فيك؛ ابتسم لنبتسم معك، ونكون عائلة مبتسمة، أليس لنا الحق أن نأخذ بنصيحة علماء النفس: ابتسم لتبتسم لك الحياة. قال لها: كم أتمنى أن أكون كذلك؛ ولكنها مسؤوليات الحياة ومتطلباتها التي تذيب الابتسامة، وتقتلها في بعض الأوقات قبل خروجها.
ثم أردف قائلاً: أنتم على حقٍّ في كثير مما ذكرتم، ولن أدافع عن نفسي كثيرًا، حتى أكون قادرًا على تعديل الغصون الخشبية ليسهل تليين الغصون الأخرى، ومن اليوم فقد استيقظت على واقعي الصحيح بفضلكم؛ فأنتم عيوني التي أرى بها وقلبي النابض، ساعدوني على تلافي جميع السلبيات حتى أكون القدوة التي تفتخرون بها، وجهوني عندما أوشك الوقوع بالخطأ وساعدوني على سلوك الطريق الصحيح. ثم ابتسم وقال: أرجو أن تعجب ابتسامتي هيفاء؛ بل تعجبكم جميعًا. وكأنه بهذا الدرس الصغير والاعتراف الكبير هيأ الجميع للاستماع له مستقبلاً، والقبول بملاحظاته وتوجيهاته.